الشيخ أحمد فريد المزيدي
146
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
عقوبة لك ؛ فإنه لا ثواب لأعمالك في الآخرة . فقال : ما رأيت قوتك يا جنيد . فقال له : اذهب يا ملعون ، أتريد أن تدخل عليّ الإعجاب بنفسي ؟ ثم خرج خاسئا « 1 » . ومن كلام الجنيد رحمه اللّه : من شهد الحق تعالى لم ير الخلق « 2 » .
--> ( 1 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 572 ) . ( 2 ) عقب الشيخ الشعراني بقوله : ولا يجمع بين رؤية الحق تعالى والخلق معا في آن واحد إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وكمّل ورثته ، وهذا الأمر لا يدرك إلا ذوقا . وقد كان الشيخ معروف الكرخي رضي اللّه عنه يقول : لي ثلاثون سنة أكلم اللّه والناس يظنون أنّي أكلمهم . وأخبرني الشيخ يوسف الكردي من أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي وكان يجتمع بالخضر عليه السلام كثيرا قال : كنت مع سيدي إبراهيم في مصر ثم رجعنا إلى بركة الحاج فمرّ على بستان النخيل الذي غرسه في البركة فقال سيدي إبراهيم : ما هذه النخيل ؟ فقلنا : هذا بستانكم . فقال : من غرسه ؟ فقلنا له : أنتم . فقال : وعزة ربّي أنا لي منذ سبعة عشر سنة ما خرجت من حضرة اللّه تعالى ، ولكن أستحي إن خطر على بالي وأنا في حضرة اللّه أن أغرس بستانا أو أبني زاوية يأوي إليها الغرباء والحجاج ، فلعل اللّه تعالى أرسل ملكا على صورتي فغرسه . هذا لفظه لي رضي اللّه عنه . فاعلم أن من لم يسلك طريق القوم فهو واقف مع شهود الخلق دون الحق ، فلا يحصل له خشوع غالبا ؛ لعدم إدراكه لتجليات الحق جلّ وعلا التي دكت الجبال دكا وخرّ منها السيد موسى عليه الصلاة والسلام صعقا . وكان سيدي عليّ المرصفي رحمه اللّه يقول : ما قطع بعض أهل الجدال عن الوصول إلى مقامات الأولياء وكراماتهم إلا دعواهم أنهم أعلم باللّه منهم ، وخوفهم على علمهم الذي به رئاستهم أن ينسى حين يتبعون طريق الفقراء ، وهو خديعة من النفس والشيطان ؛ فإن طريق الفقراء لا يزيدهم إلا علما إلى علمهم وجلاء لقلوبهم وحضورا في عبادتهم . قلت : وليس مرادنا بالفقراء هؤلاء الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العاشر في الزوايا وعقدوا مجالس الذكر ؛ فإن الفقهاء بيقين أحسن من هؤلاء وأعلى مقاما ؛ لزيادتهم عليهم في العلم والفهم في الكتاب والسنة وكلام الأئمة ، وإنما مرادنا العارفون باللّه تعالى وبسائر مذاهب المجتهدين ومقلديهم الذين أتتهم تلك العلوم من طريق الوهب ، وهؤلاء قليلون في مصر ، ولكن من صدق أوقعه اللّه تعالى عليهم . وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه اللّه يقول : وهل ثمّ طريق غير ما فهمناه من الكتاب والسنة وينفي طريق القوم . فلما اجتمع بسيدي الشيخ أبي الحسن الشاذلي وأخذ عنه صار يقول : ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تهدم إلا الصوفية قال : ومما يدلك على ذلك ما يقع على يد أحدهم من الكرامات والخوارق ، ولا يقع شيء منها على يد غيرهم ، ولو بلغ في العلم ما بلغ . هذا لفظه -